الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

41

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

وغيرهم ممن ذكرهم في غضون مؤلفاته العديدة ، ولم يقتصر على الطريقتين المذكورتين ، بل كلف نفسه إلى أبعد ما يتصور طلبا للحقيقة وتحريا للواقع ، فعاش بين البدو وتنقل في أحيائهم وأكثر من الرحلات والتطواف بين أجزاء الجزيرة العربية ووصفها وصفا دقيقا وفلاها فليا ، وقاس بين مسالك الجزيرة بالدرجات عن خبرة وتجربة وتعمق في تعريف الجبال ومواقعها ومسايلها ، والأعراب ولهجاتهم ، والصيد والقنص والرمي بالقوس والضرب بالسيف ، وركوب الخيل والتفرس بها وغير ذلك مما يطول الكلام عليه . ودخل حضرموت واتصل بأهلها مباشرة ، وعرف معالمها وتتلمذ على علمائها ، واجتاز أرجاء نجد والحجاز ، لا سيما مكة المكرمة والمدينة المنورة اللتان هما مهوى أفئدة ملايين المسلمين ونقطة اتصال العالمين العربي والإسلامي ، واللتان هما أشبه بمؤتمر عالمي ، فقد كان يحج مرارا عديدة . وجاور بمكة وأخذ عن مشيختها ، وأخذوا عنه ومنها طار صيته ونفذت كتبه إلى الأندلس وإلى الشرق والغرب ، وكان شديد الاتصال باليمانيين الذين أنجبتهم العراق والشام وهم من سلالة الفاتحين ، فراسلهم وراسلوه وتجاذبوا أطراف الحديث وأصناف الفنون ، كما اتصل بزعماء اليمن وأقيالها وملكوها كبني الكرندي ، أقيال المعاقر وبين التبعي أذواء بعدان ووادي ظبا ، وآل الرويّة سلاطين مأرب ، وآل يعفر الحواليين ملوك اليمن ، وآل الضحاك وأمراء حاشد - وكان منهم بمنزلة المشير والصاحب ، ولهذا فضل المقام لدى أبي جعفر الضحاك ، ولازمه ملازمة شديدة وقيد أيامه واشترك معه في حروبه - وآل الدعام أهل الجوف وغيرهم . فالهمداني لم يقف نشاطه في ميدان العلم فحسب ، بل زاوله في ميادين شتى ، حتى في أرض المعركة والنضال ، ضد من يحاول النيل من قومه أو انتقاصهم . الهمداني في ريدة ريدة هي ذلك البلد العظيم الخالد ، الذي كان مقر الملوك والنبلاء من أبناء حمير وقحطان ، الذين تركوا فيها مآثر قاومت الزمن وبرهنت على عراقة الحضارة اليمنية ، وتقع في أواسط البون الأسفل ، أو على حد تعبير المؤلف في سرة همدان ، وتبعد عن العاصمة صنعاء بمسافة عشرين ميلا . وقد اتخذها السلطان العظيم أبو جعفر الضحاك سيد همدان في عصره مقر عزه ودار ملكه ، منها يصدر ويورد . ولما كان الهمداني نزاعا بطبيعته إلى الحرية ، شغوفا بالانطلاق الواسع ، ونفسه الأبية لا تقبل الضيم ولا تستهدف النقد الأجوف . وله مبادئ وعنده أفكار صائبة لا يهضمها أهل عصره ، وستظل حبيسة في نفسه تشغل باله وتهز كيانه إن لم يعلنها صريحة قوية . فكان ولا بد